12 يوليو، 2009
أعطني زهرتي الآن
26 يونيو، 2009
عشرونٌ مضت + احتفالية أدبية
صبيحةُ الخامس والعشرين من مارس , حيثُ كنتُ قد وُلدت قبل عشرين سنة !
كنتُ أطل للتوّ برأسي على الدنيا , أحرّكُ جِفنيّ للمرةِ الأولى , أستخدمُ رئَتيّ للمرةِ الأولى , أستنشقُ الشهقةَ الأولى , وأطردُ الزفرة الأولى ..
ماذا يعني أن يولد الإنسان ؟ يلّحُ الآن هذا السؤال على ذهني بشدّة , ومعه أتساءل , هل أقصد الولادة الفسيولوجية , أم الولادة الروحية , أم الولادة الفلسفية , أم الولادة القانونية , أم أم أم ..إلخ؟
هه لا يهم ! المهم أنني قد وُلدتُ ذات يوم , ومازلت أولد ربما كل يوم , أو مع كل ضحكة , أو في كل حزن !!
أن يولد الإنسان , يعني أن يعيش إلى أن يموت , وفي كل لحظة تولد في نفسي أشياء وتموت أخرى , تولد في قلبي نبضات , وتموت أخرى , تولد في سنواتي أيام , وتموت أخرى !!
الولادة , والحياة , والموت ..
البداية , والاستمرار ومن ثم العدم ,,
أما من أبدّيةٍ أزليّة تتوسط تلك الأمور , تربط بينها وتركلُ نقطة النهاية كلما أرادت التطفـّل ؟
الولادة , ترادفُ البداية َبالمضمون , وأنا أحبُ البدايات , أحبها بشدّة , لأنها تكون دوماً صاخبة , مفـّعمة بالحيوية , ناضحة بالحماسِ ِ ومُتوقّدة , البداية تأتي بالجديد , ذاك الذي كنا ننتظره , تأتي بالأشواقِ واللهفة , بالفضول , بالترّقب والاستعداد , البدايات تجعلني أتأمل كثيراً , كلما جاءت أكثرُ صخباً , كلما دلّ ذلك على قربِ خفوتها , وانطفاءِ وهجها , أما لو جاءت مُتهادية , ربما يعني ذلك أنها قد تطول ..
بقدر حبي للبدايات , إلا أنني أخاف منها , لأنها لابد وأن تجلب معها نهاية , والنهاية تأتي عادةً بغته , تسرقنا من انغماسنا , وتسرقُ منا الأشياء التي نتشبث بها فقط !
أحاول أن أحصي عدد الولادات \ البدايات, التي مررتُ بها , بداية الحياة , بداية ُ الدراسة , بدايةُ كتاب , بدايةُ سنة , بدايةُ أسبوع , بدايةُ يوم , بدايةُ قصيدة , البدايات في كل مكان , الولادات لا تكف عن التتابع والاستمرار .
صبيحة الخامس والعشرين من مارس , وهي تحين في هذه السنة , تعلنُ انقضاء عشرين سنةً من عُمري , أحملها على كتفي , أدسُ بها في حقيبتي , أركنها على أرفف مكتبتي , أخبئها بين صفحات كتبي , أمزجها مع مشاعري , وأحفلُ بها كما تحفِلُ هيَ بي .
هل أتممتُ حقاً هذا العُمر ؟ أم أن الأيام تسخرُ مني وتستهزئُ بي , ماذا لو كنت أتبع التقويم الصيني , أو الفارسي أو الهندي , ربما أيام السنة لديهم أطول من أيام السنة لدينا , ربما شهورهم أكثر من أشهرنا , قد أكون عندهم لم أتمم العاشرة بعد !
مُجحفة ٌ هيَ الرزنامات عندما تملي عليكَ عمراً تختاره هي ولا تريده أنت , فلا تملك إلا أن تُذعن .
عشرون سنة , أنشرها أمامي على الأرض بغرفتي كأوراق ِ اللعب , بصفوفٍ منتظمة أضع بعضها بجانب بعض , وبعضها فوق بعض , أمعنُ فيها النظر , أتفرّسها بدقة , كأنني لاعبٌ ماهر يبحثُ عن الورقةِ الرابحة , كل ورقة تمثّلُ سنة , كلُ ورقة تحملُ إيلافاً مختلفة !!
يثير هذا الأمر في نفسي ضَحِكاً كما يثير فيها حيّرة , فالخامس والعشرين من مارس , عندما يعود في كل سنة , يعود ومعه أخرى , تشبه قليلاً تلك التي ذهب بها في السنة الماضية , المرآة تقول بأنها تشبهها كثيراً , بل تكادُ تكون نسخةً مطابقة لها , أما الروح فتقول , بأنها أخرى , تّبدّلُ في كل عام الكثير , وتبقي الكثير كذلك !
في السابق , كنت أظن بأن الأرواح ثابتة بينما الأجساد هي التي تتغير , أما الآن فأنا موقنة بأن الأرواح هي التي تتغير بينما الأجساد تكون أكثر ثباتاً وأبطئُ تغيّرا .
وهذا ما فسّره لي تغيّر الوجوه القريبة مني في كل عام , تلك التي كانت تنتصفُ هذه الورقة , بينما أراها تنزوي في ورقةٍ أخرى , وتكادُ تكون معدومة في ورقةٍ غيرها , غريبٌ أمرُ تلك الأرواح , تأتي فجأة , تنشرُ ذراعيّها وتحلّقُ في حياتي , ثم لا تلبثُ أن تتلاشى , تنتشرُ في الأفقِ وتبتعد , وتأتي أرواحٌ غيرها , تعيدُ المشهد , وترحل لتأتي أخرى ..
قد أكون مخطئة عندما أقول بأنها ترحل , ولأكون أكثر دقة , يجب أن أقول بأنها ترحل لتبقى !
وأيٌ رحيلٍ ذاك الذي يبقى سوى الرحيل الذي يتركُ أثرا ..
فكلُ روحٍ ارتسمت على إحدى وريّقاتي \ سنواتي , قد تركت أثراً , تركت بسمة , تركت كلمة , تركت خُلقاً وتركت حنيناً وذكرى ,
يجعلني هذا أتفرّس في وجوه الناس الذين عرفت , أتأمل صورهم وهم واقفين بجانبي , ملامحهم لا تزال هيَ , ولكن أرواحهم قد أصبحت غيرها , يخيفني هذا الأمر ولا يؤلمني , يخيفني لأنني أتساءل , من هي الروح المقبلة التي ستروح , ولا يؤلمني لأنني اعتدته !
أعودُ لـ إيلافاتي اللاتي ارتسمن في تلك الأوراق , هنا إيلافٌ صغيرة تجمعُ في صندوقٍ كبير ألعابها الجميلة , العرائس الفاتنات , الفساتين الصغيرة , السيارة الوردية , الدب الكبير , المنزل الصغير , أدوات التجميل البلاستيكية , أدوات الطبيب الملوّنة , الحاسب الآلي ذو الأصوات الموسيقية الجميلة , وجهها المستدير الممتلئ يسدلُ عليها منظر الهدوء , إلا أنها كانت مشاغبة , مُزعجة , ومتسلطة !
أتذكر جيداً قصص أمي التي تحكيها لي قبل النوم , كانت تستحضرها من الخيال , وعندما أطلب إعادتها في الليلة المقبلة تكون قد نسيتها , فأبكي لعجزها عن تلبية طلبي , وكنت أصرّ على أن تنام بجانبي , وتربتُ على ظهري إلى أن أنام , كم كنت أزعجكِ يا ماما بمثل هذه الطلبات .
أتذكر مكتبي الذي كنت أجلس عليه , أبتكرُ الألعاب وأمارسها بمفردي , أضعُ حاسباً آلي , وهاتف , ومجموعة من الأقلام والأوراق , وأخالُ نفسي في شركة كبرى , ألعبُ في الوقت ذاته دور الزبون والسكرتيرة والمدير !
أنظرُ لورقةٍ أخرى , فأرى إيلافاً غريبة !
ههه لا أكاد أصدق أنني كُنتها في يومٍ من الأيام , تعشقُ اللون البرتقالي , تغلّف به كتبها المدرسية , تسكبه على أثاث غرفتها , وتشتري كل ما يتلوّن به , لأنها كانت مهوسة بكرة القدم , وبنادي كاظمة تحديدًا , أضحك , وألقي نظري على ورقةٍ غيّرها ..
إيلاف تقرر شراء مكنة خياطة , تتعلم الخياطة , وتبدأ بممارسة هواية جديدة , ما كانت تطيقها في يومٍ من الأيام , تخيطُ فستاناً , قميصاً , غطاءً لعلبة المناديل الورقة , وأشياء أخرى جميلة : )
أبتعد قليلا عن أوراقي , أقفُ وأرمقها بنظراتٍ سريعة ..
تتغير الاهتمامات , العلاقات , الهوايات , إلا هواية واحدة , تظل ثابتة , هواية التغيير !!
إيلاف تقرأ القصص وحكايات الجرائم , إيلاف تهتم بقضايا التطوير والتنمية الذاتية , إيلاف في مسابقة الشعر , إيلاف في الإذاعة المدرسية , إيلاف تتحول لقارئة نهمة , إيلاف تشارك في المنتديات , إيلاف تُنشئ مدوّنة , إيلاف تشترك في دورات مختلفة , إيلاف تحب التسوّق , إيلاف تعطي دورات للصغار , إيلاف تهتم أكثر بمواضيع الفكر والفلسفة , إيلاف تمارس الرياضة , إيلاف تحب المشغولات اليدوية , إيلاف أندلسية , إيلاف عضو في مرتقى , إيلافاً مختلفة في كل ورقة !
أجمعهن , أتأملهن , وأكتشف أن كل واحدة منهنّ تشكّلُ جزءًا مني , يتقاسمنني , يتشاركنني , ويسكُنّ بداخلي , لولاهن , لما كنتُ كما أنا الآن ..
أحبهّن جميعهن , وتجتاحني رغبة عارمة لعناقهن !
اممممم
عشرون سنة !
الدرج بجانب سريري مليء بالصوّر , أرفف مكتبتي مليئة بالكتب , قلبي مليء بالمشاعر , دولابي الخشبيّ مليء بالثياب , ذاكرتي مليئة بالتفاصيل , حياتي مليئة بالأحداث والشخوص , كلها دلائل , وقرائن , تشير إلى أنني أمضيت في هذه الدنيا عشرون سنة , من تلك السنين التي نحصيها نحن , نعُدّها , وننضمها لنلفها بعد ذاك عقداً حول رقابنا , نتجمّل به ونرحل !
كما يرحل كل شيء , كما يرحل الخامس والعشرون من مارس في كل عام , كما ترحل إيلاف , كما ترحل الأرواح المحيطة بها , كما يرحل كل شيء ..
عشرون سنة , تجعلني أوقن بأن أعمارنا أضغاثُ أيام , وأضغاثُ أحلام , ما بينها نعيش , ومنها نغترفُ حياتنا ..
.

21 يونيو، 2009
كذبوا علينا في المدرسة !
أذكرها , أذكرها جيداً , مدرّسة العلوم النحيلة , بجسدها الطويل وردائها الرماديّ الفضفاض , توكئ على أرنبة أنفها نظارةً مستديرةً سميكة , وتتكلم بلهجةٍ شامية , بكل صرامة تطلق الأحكام , تملي علينا القوانين العلمية , وتصدر الأوامر بالانتباه والكتابة , وأذكر الدرس , أذكره جيداً , ذاك الذي علمونا إياه في بدايات المرحلةِ الابتدائية , حين كذبوا علينا وقالوا بأن الموجودات في هذا الكون تنقسم إلى جمادات وكائناتٍ حيّة , وصنّفوا على أهوائهم الموجودات , وضعوا لنا الصور , وجعلونا نؤمن بأن هناك جمادات وكائنات حية ..
تنتصبُ في وسطِ الفصل كنخلةٍ سامقة
بكل ثقةٍ واعتداد كانت تشير إلى الكرسي وتقول :
الكرسي جماد , الصبورة جماد , النافذة جماد , والإنسان كائنٌ حي
وكنا نصدق مبهورين , في أعيننا دهشة ٌ شاسعة , وقلوبنا الغضة تتلقف ببراءةٍ كل ما يملى عليها , دون أن نعترض , نفكر , أو نناقش
وتواترت المراحل الدراسية , وكلنا في قرارة عقله يُسلّم بأن الكرسي جماد , والإنسان كائنٌ حي !
معلّمتي الفاضلة , ها أنا قد تخرّجت من فصول المدرسة , وأقف الآن على العتبات الأخيرة في سُلم الجامعة , واليوم , اليوم فقط اكتشفت بأنكِ كذبتي علينا , بينما أنتِ وقريناتكِ لم تفتأن تملين هذه المعلومة المغلوطة على الأطفال الأبرياء أمثالي , الجالسين على مقاعد الدراسة , فيصدقون ..
رحماكِ رحماك , تريّثي وتأملي قليلا ..
معلمتي العزيزة
ليس كلُ إنسانٍ كائنٌ حي , وليس كل كرسي ٍ جماد !
إن الحياة ليست مجرد أنفاس ونبضات وبضع قطيّراتٍ من دماء , والجمود ليس انعدام القدرة على الحركة والكلام والنمو
فكم من إنسانٍ لا يمتُ للحياةِ بوشيجة , بل كل ذرةٍ فيه تومئ بالجمود , قلبه لا ينبضُ حبا , دمه لا يسري في جسده خيرا , وزفيرهُ لا يخرج للحياةِ نورا
إن نطقَ صمت الحياةُ آذانها , إن قام هربت منه خوفا , وإن نمى تعوذت بالله من نموه !
يكتمُ روحهُ في زجاجةٍ سوداءَ مظلمة , وينزوي بشرهِ وآثامه
فالحياة منه براء , والجمود له أقرب ..
وكم من كرسي ٍ يحفظُ ود من جلس فوقه , يشتاقُ لعودته , يحفظُ سره ومناجاته , ويحفرُ على ألواحهِ ذكراه .
يشرّع ساعديّه بكل أريحيةٍ لاحتضان الضيف الجديد , يغدق عليه بحنانه , ويريحه بلينه , ويحنو عليه ..
أتظنين بأن الكراسي تنسى الجالسين فوقها كما ينسى البشرُ العابرين في حياتهم ؟
: )
ألا تعتقدين بأن كرسيكِ في الفصل الدراسي يشتاقُ لكِ , وذاك الذي جلستِ عليه بقرب البحر مازال ينتظر مجيئك ؟
أتذكرين الذي حفرتي عليه تاريخ يومٍ ما , أم الآخر في منتصف الطريق ..
والمسكين الذي رميتهِ بعدما كُسرت أحدى أرجله , أتظنين بأنه لا يشتاق لمنزله , كما نشتاق نحن لمنازلنا عندما نغادرها ..
معلمتي الوقورة
ليتكِ تتحرين الحقيقة قبل تكرار المنهج كالببغاوات , ليتكِ تتفكرين
اعذريني
لم أعد أصدق بأن الموجودات في الكون عبارة عن جمادات وكائنات حية , ولم أعد أصدق بأن كل البشر كائنات حية لمجرد أنهم بشر
ليتني أعود للمرحلة الابتدائية لأكتب في الاختبار أن المرآةَ كائنٌ حيٌ يحدثني في كل صباح , وكرسيي كائنٌ حي يشتاق إلي كلما خرجت , وفساتيني كائنات حية تنبضُ بإحساسي , وكتبي كائناتٌ حيّة تشرح لي الحياة ..
وأن فلان وفلانه وغيرهم , جمادات !!
15 يونيو، 2009
أنا لا أفهم !
11 مايو، 2009
رَسائِلُ الأُلـْف ..!

أضع في هذا المساء الجميل بين أيديكم مجموعة من الرسائل التي اعتدت على كتابتها وإرسالها لصديقاتي عبر الهاتف , بعضها تعبيرٌ عن شعورٍ يختلجني , وبعضها مشاركةٌ لمناسبةٍ ما , وبعضها تفريغٌ لرغبةٍ ادبيةٍ جامحة كانت تتملكني , وبعضها اقتباسٌ لعبارةٍ وضّاءة استوقفتني , ومعضمها رسائلٌ صباحية , للتواصل والتواد .
وقد جمعتها وأسميتها بـ ( رسائل الاُلف ) نسبة ً إلى إسمي , وبهذه المناسبة سأهمس لكم بسر :
هناك مشروع قادم لكتاب بإسم { رسائل الأُلف , رسائل في النفس والأدب } , ولكن ستكون الرسائل والتأملات الواردة فيه طويلة وليست بِقِصر الرسائل الواردة في هذا الموضوع .
أتركك مع الكَلِم , وأتمنى لكم قراءة رائقة ..
{ 1 }
ثمة علاقة بين النصوص الأدبية وقطع الأثاث , اكتشفت ذلك وأنا أرى الأواني تتحول إلى أبيات , والأرائك تتمايل كأوزان القصائد , والأسرّة المخملية تتمازج مع الألحفة والوسائد في منغومةٍ روائيةٍ حالمة .
بين الأبيض والزهري حكاية نقاء , وبإحاطة الذهبي للأسود ملحمة فخامة , وبتشاكس الألوان الصاخبة لوحة ٌ أدبية ٌ مجنونة
حالة انسحار , في the one والمحلات المجاورة !
{ 2 }
بالرغم من أن القمر غادرنا منذ الأمس إلا أنني أردد مع فيروز هذا الصباح :
خذني بعينيك وأهرب أيها القمر ُ فيروز , أقمارها ألحان , وسماؤها كلمات , وأحلامنا في أفلاكها تدور ليل نهار.تارة ً نكون جارات القمر , وتارة ً نكون نجوم الكتب , وتارة ً أخرى نكون أميرات ألف ليلة . ترجع الشتوية , ويطلع القمر , ويسكن الليل .
ونحن نحتضن الصوت الفيروزي بانغماسٍ متدللٍ متغنج
{ 3 }
من الرائع أن نهرب من براثن الرتابة والمهام اليومية المرهقة , ننزع قليلا ثوب العمر والنضج , نتملص من الواقع المحيط , ونعود بتصرفاتنا إلى عهد الطفولة , نحتفل بكل فرح , نتقمص الأدوار ونحتوي السعادة بكل جوانبها , بشقاوة , بضحكات , وبغنج .
ومن الرائع أيضاً أن نعثر في جنبات أرواحنا الناضجة على بقايا الطفولة , ذلك العالم المليء بالألوان وأقواس قزحٍ والفراشات , نتقافز حولها كملائكةٍ صغار , وننشر أريج الحب والسعادة في نفوس الكبار .
هكذا انتِ اليوم , فراشة صغيرة بألوان زاهية تحتضن بقلبها دقات طفولية .
استمتعي وفيتي بحفلِ تميزكِ , في أحضان عائلتكِ المميزة
{ 4 }
الجمال مظهر من مظاهر هذا الكون تدركه النفوس الشفافة وتهفوا إليه وترى فيه المتعة والغذاء .
( علي الجارم ) رفيقي في هذا الصباح الوارف
{ 5 }
من لم يدرس طبائع القلوب المتوهجة في أنفاس أهلها , لا يعلم قلبه شيئًا وإن كان عقله مكتبة من العلوم .ومتى كان القلب جاهلاً , بقي الإنسان بعلومه كأنه قطعة بأداة الطبيعة , كل شأنها أن تحرك بعضها ببعض .
( الرافعي )
إذن فلنحرص على تثقيف قلوبنا , كحرصنا على تثقيف عقولنا
صباحكن ألفة
{ 6 }
كلمتان هما تعريف السعادة , وهما من لغة السعادة نفسها , لأن لغتها سلسة قليلة المقاطع كلغة الأطفال التي ينطوي الحرف الواحد منها على شعور النفس كله , أتدري ما هما ؟
هما : طفولة القلب .
( الرافعي )
صباحكن طفولة
{ 7 }
ياعزيزتي ,
إن الحب عندما نمارسه فنحن نمارسه لتجميل نفوسنا , والمساحات المغتبشة في نفوس الآخرين لابد من وجود مساحات جميلة تغمرها ,وإن لم تكن موجودة فعلينا إيجادها , وإروائها , لتزهو وتزهر .
علينا فقط أن نحب الآخرين , أن نحبهم بصدق ونحيطهم بدفئنا , ولهم الخيار بعد ذلك بأن يمتعوا أنفسهم بحبنا أو يحرموها منه
{ 8 }
لولا النفوس التي تدرك قيمة الجمال , ما وجدت النفوس التي تدرك قيمة الخير .وهل الخير إلا بعض جمال النفس ؟
(الرافعي )
أدامك الله يا صديقتي جميلة َ النفس , لتبصري الخير في نفوس الآخرين وتغرسي فيها الجمال
{ 9 }
بين الحب والغباء عروة ٌ وثقى لا انفصام لها , فعندما نحب يجب أن نتحمل مسؤولية أعمالنا الغبية دون تذمر ٍ أو اعتراض , سنحتاج أحياناً لوضع عقولنا في دولاب خشبي مصقول بعناية , أو صندوق خزفي بديع النقوش , ونُنَصّب قلوبنا على برج عاجي شاهق لتأتمر بأمره بقية الجوارح والأفكار
{ 10 }
ليس الصباح سوى طفلة مشاكسة ترفض ترك مخدعها الوثير ووسادتها الزهرية إلى أن تأتي أمها الشمس وتحشر أنفها الصغير بين أصابع أشعتها وتضغط ضاحكة : استيقظي استيقظي , أسبغي نوري ودفئي على الخلائق .
صباحكِ ألفة
{ 11 }
صباحكِ قشطة ممزوجة بالعسل , كتلك التي غمست بها خبزتي قبل قليل .
سارّة , وجودكِ يشعرني بأن الحياة رحيبة فسيحة بهيجة , كعروس ٍ تزهو بفستانها المنفوش وتنثر شعرها الطويل ليضفي الفرح حوله .
كوني هكذا دوما ^_^
{ 12 }
أجمل رسالة وأقربها إلى قلبي : )
حين نحتكر أفكارنا وعقائدنا ونغضب حين ينتحلها الآخرون لأنفسهم ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا وعدوان الآخرين عليها , إنما نصنع ذلك حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار عميقاً , حين لا تكون منبثقة من أعماقنا .
فالفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا مُلكاً للآخرين ونحن أحياء .
مجرد تصورنا أنها ستصبح بعد مفارقتنا للحياة زاداً للآخرين , ليكفي لأن تفيض قلوبنا بالرضا والسعادة .
اللــه , جميل يا قطب جميل : )
إذن , فلنجعل أفكارنا وكلماتنا وكتاباتنا سبيلاً للآخرين , ورواءً ينهلون منه ويغتسلون به , ويغرفون من معينهِ ما يعينهم ويطهرهم
{ 13 }
الرافعي يقرؤكن السلام ويهمس في آذانكن هذه الترتيلة العذبة :
{ القلب هو سر الجمال الإنساني , لأن فيه بركة النفس وزينتها وسكنها .
فالبركة تنبت من الخلق الطيب , والزينة تخرج من الفكر الجميل , والسكن يُبَثُ بالإيمان واليقين .
وما جمال النفس الإنسانية إلا خلقٌ وفكرةٌ وإيمان }
{ 14 }
هه!
موصي , موصى له , قواعد فقهية وشروط معقدة !
رحماكَ يا دكتوري الفاضل رُحماك , كف عن هذا الحديث الذي لا يكترث له أحد في هذه القاعة وتعال أقرئك وصيتي :
أوصي لأحبتي أن يكونوا بخير وينعموا بحب , أوصي بأن تغمر الألفة كل شيء , وأوصي بأن يكون الجميع أسعد من أي وقتٍ مضى
{ 15 }
لفقهاء القانون وجوه متهجمة , وأصوات خشنةٍ مُرعدة
: ( فليصمتوا قليلاً ويختفوا عن نظري , اشعر باجتياح أدبي غامر , هل من مساحةٍ للكتابة ؟
{ 16 }
في الصباحات الجميلة أشعر بأن الأشجار كلهن جوار ٍ حسان , قد زيّن معاصمهن وصدروهن بقلائدٍ من زهر .
لكِ في هذا الصباح المشمس إكليل اقتطفته من جيد إحداهن
{ 17 }
عندما نتعب فجأة ندرك بأننا لم نكبر أبداً , وأننا بقينا بعد كل هذا الزمن على حافة الطفولة , عبثاً نحاول أن نصبح نساء , وعبثاً نأخذ الدنيا بجدية ..
من رواية { طوق الياسمين } وبتصرّف مني
{ 18 }
يا صديقتي الوفية : تعبث بنا الأيام وتبعثرنا بين المسافات والأوقات والمهام والالتزامات , ترغمنا على البعد والشوق , وتغمسنا بشدة في كل المشاعر الجميلة .
نعود وقد امتلأنا شوقاً ونضحنا حباً وتشبّعنا طهرا , بأعيننا بريق , وبقلوبنا نشوة , وبأرواحنا وهجُ حياةٍ جديدة تنبعثُ وتولد .
نحتاج لترتيب كل تلك الأشياء المكركبة , المتراكمة , المتزاحمة , حتى نجري ونجري ونرتمي بعد ذلك في أحضان المساحات الخاصة , الصافية الخضراء الجميلة ..
لكِ ألفٌ لا حدود له , لا انقطاع له , لا ينضب بإذن الله و لا تبليه الأيام ..
{ 19 }
استيقظ في هذا اليوم فجأة , أبحثُ يُمنة ً ويُسرى عن كلمات الأذان وأحرف النداء الرباني , أستنشق الهواء حولي عَلّىّ أن أتلمس فيه أجواء السكينة والإيمان , أهرع إلى نافذتي , أطل منها بحثاً عن أفواج المصلين المتوافدين إلى أبواب بيت الله العتيق , أتحسس لساني فلا أجد طعم زمزم عليه ..
حينها فقط أدركت أنني كنت أحلم لأربعة أيام !
يااه , ما أقصر الأحلام الجميلة , وما أجملها إن جمعتني بكن يا رفيقات السفر ..
{ 20 }
الكلمات غير المتوقعة , في الأوقات غير المتوقعة , ترسم في قلوبنا ابتسامات أكبر من تلك التي ترتسم عند استقبالنا كلمات متوقعة في أوقات متوقعة ^_^
دمتِ للسرورِ مبعثاً يا سارّة
{ 21 }
الأرواح جنودٌ مُجندة , تأتلف وتتآخى وتجتمع , فتنعم بالحب , وتحيى بالمودة , وتزهو بأصدق المشاعر وأنقاها , وتفرح كل الفرح بالصداقة والأخوة الجميلة .فشكراً لأرواحكم الطيبة التي تناثرت اليوم ضحِكاً ومرحاً وسعادة
{ 22 }
مطر مطر مطر
اغسلينا يا قطرات السماء , اغسلينا وطهّري بانهماركِ العذب قلوبنا المرهقة , انهمري على أرواحنا بلا توقف , اكنسي بقايا الذنوب , وامحي آثارَ الخطايا , واشهدي في هذا اليوم المطير أننا علّقنا أبصارنا بالسماء , ويممت قلوبنا شطر رب السماء , وانغمست جوارحنا بالنجوى والدعاء .
{ 23 }
اليوم يجب أن أتشقلب بين الكسور والمقامات , أضرب الأرقام بعضها ببعض , أغضب , أكسرها , وأطرحها ورقاً وحبرا , ثم أجمعها جمعا !
أو ربما , يجب أن أغدق عليها حُباً وحنانا , حتى تفيضَ علي بالغدِ راحة ً واطمئنانا , وتكون لي سكناً وأمانا .
مالنا والأرقام يا صويحبتي العزيزة , فنحن ثلة ً لم تخلق لها بل خلقة للأدب والجمال , ليتهم تركونا وما جُبلنا عليه , خُلقنا له , وعِشنا به !
{ 24 }
لا تقنطوا من رحمة الله !
لا يأس مع ميراث , ولا مجالَ لعدم الاكتراث , فالحقل لابد له من محراث , يقلب التربة الراكدة , ويبذر فيها الفائدة , ليفرح الزارع بعد ذاك بحصائده , ويتلذذ بها على المائدة
هلوسة ميراثية !
{ 25 }
أبدأ هذا الصباح الشتوي البارد بسحابٍ أحمر يلوكُ الشفق ويحينه قبل أوانه , فيحيطني بدفءٍ أدبيٍّ غامر .
على مقربة يجلس الرافعيّ متدثراً بفلسفات الحب , ومترنماً بتراتيل الجمال , فانسكب روحاً وفكراً وسحراً بين جنبات أحرفه .
نصيحة لمن يشكو برد الشتاء
جربوا المدفأة الأدبية
{ 27 }
في ضيافة ليلى اللبنانية , أقضي سهرتي هذه الليلة , أتأمل في ألوان الفتوش الصاخبة , وتناقضاتها مع الهدوء الرابض على سفح الحمص , أرتشف على مضض عصير الليمون اللاذع , وأغمس قطعة الخبز المحمصة بصحن المتبل الأدبي .
فتعتريني أجواء شامية تثير في داخلي أغنيات فيروز , وأبيات نزار , وفلسفات جبران
{ 28 }
جمعة مباركة يا صديقتي العزيزة , أسبغ الله عليكِ فيها أثواب رحمته , ودثرك بدثار مغفرته , وألبسكِ لباس عفوه وكرمه , وأحاطكِ بلطفهِ أنتِ ومن تحبين
{ 29 }
إننا جزء من مسيرة تاريخية لم تبدأ منذ ولادتنا , ولن تنتهي عند موتنا , والمهم في الفترة مابين الولادة والممات هو الإضافة التي ننجزها لتلك المسيرة .
د. أحمد خيري العمري .
{ 30 }
يصاب النشاط بالشلل عندما بدير ظهره للفكرة , وتصاب الفكرة بالشلل إذا انحرفت عن النشاط لكي تمضي في طريق اللهو .
( مالك بن نبي )
إذاً فلنُطَعّم أنشطتنا بأفكارنا ومبادئنا , ولنجسّد أفكارنا بالعمل , لنحقق التكامل الأمثل والانجاز الأكمل .
صباحكن همة
{ 31 }
صباح التقافز بين الغيوم والهرب من ذراتها المتزاحمة .
صباح نسيمات الخريف الشقية وهي تتسرب منتشية إلى خلجات الروح
{ 32 }
البسطاء هم فقط الذين تسكن أرواحهم في أجسادهم ولا تغادرها , أما المميزون فلهم أرواح لا تمل الترحال , ولا يضنيها السفر , تتطوّف بعوالمٍ شتى , وتغادر كنسمات الهواء , تندمج بالحب , وتنصهر مع الخير , وتتدثر بالجمال .
تحدو الأمل وتنسج من الأحلام ضحكات الفرح .أرواحهم تسكن في كل مكان , تلامس السماء , تعانق البحر , تحنو على الزهور , وتتقمص ترانيم الحمائم .
من عمق المسجد , روحاً حنت إلى أرواحكم : )
{ 34 }
الصلاة , لها لذة للروح , ووقعٌ بالقلب , وتزكية للنفس , وصفاء للفكر , وسرور للخاطر , وحلاوة حرم منها الكثرون .
{ 35 }
العالم لكل الناس , غير أن لكل إنسان عالماً هو خالصة نفسه .
( الرافعي )
وفي ذلك العالم الذي استخلصته لنفسي ألمج سناكم دائماً , واستنشق عبير أرواحكم الطاهرة التي تجول في روحي .
أدامكما الله لي وفاءً وسرورا .
{ 36 }
أنتِ كوكبٌ دُريّ , هوى من السماء وغُرسَ بالأرض ,تشبث بوشائجها , وامتد في عروقها , ثم تطلع للعلياء , باسقاً قامته ورافعاً هامته والتصق مجدداً بالسماء . فهو يرسل النور من الأعلى , ويلقي بالثمرِ للأسفل .
{ 37 }
نحلم معاً , لتتولد شموسٌ كثيرة , ونجوم لامعة , يهتدي بها الناس , بجمالها يتأملون , وبنورها يستضيئون , وينسجون من عسجدها أمنياتهم وأحلامهم ساعة الأصيل , ثم ينثرونها في الفضاء الرحب لتنثر رذاذ الحب في كل مكان
{ 38 }
.مع كل رشفة – قهواء – اتحسس طعم لقائكِ , حيث تذوب في نكهتها الحلوة مرارة الفراق , وتدور مع ملعقتي أيام رحيلك حين احتسي قهوتي .
أخرجها , فتتساقط آخر القطرات العالقة بها لتنبأ عن تساقط الزمن واقتراب موعد قدومكِ ,, فابتسم : )
{ 39 }
أنا في لجة التفكير , أخوض غمار التغيير واستعد للامتحان الكبير واسمع خطبة الجمعة عبر الأثير , يتلوها التسبيح والتهليل والتكبير , وقد اشتقت لكن يا صويحبات الفكر والأدب والجمال , فاعذرنني على هجرٍ قد طال , وانقطاع الرؤية والسؤال , لا أدري ماقد دهاني , فجأة ً واعتراني , استوقفني وسرق مني كياني : (
{ 40 }
اذا وقف البطل على قدميه , استعد المجتمع للتلقي والانقياد
( محمد قطب )
إذا فلنستعد يا بطلات الفكر القويم , وهلمن للوقوف , فالمجتمع ينقاد لأي بطل يقف أولاً , فلا تدعن المجال لأبطال الباطل , بل سابقوهم وانتصبوا في الميدان .
{ 41 }
إن لليل وحشة لا يزيلها إلا ذكر الأحبة , وله ظلمة لا يبددها سوى بزوغ شمس الأخوة , وله في النفس وقعة لا يمحوها إلا الأثر الطيب . فلكم تركتم في القلب والنفس والعقل من طيبِ أثرٍ وجميل ذكرى , فاستضاء به ليلنا واستنار بنوره عمرنا , وذهبت به وحشتنا وارتسمت بفضله بسمتنا .ادامكم الله كمل ذكرنا أعلاه
{
{
وهنا لا بد من وجود سد يوقف هذا الانهمار , على أن نعدكم برسائلٍ أجمل بإذن الله ..
01 مايو، 2009
حصاد المعرض
كنت في السابق أرى بأن أجمل شهور السنة هو شهر مارس , لأنه شهر الربيع , والجو الجميل المعتدل , واليوم المبارك الذي ولدت فيه : )
ولكن الآن أعترف بأن أجمل شهور السنة هو شهر سبتمبر لأنه شهر معرض الكتاب الدولي , ويليه شهر أبريل لأنه شهر معرض الكتاب الإسلامي , ثم بعد ذلك شهر مارس للأسباب سالفة الذكر .
وبما أنني أعايش هذه الأيام فرحة الكتب , ونشوة التبختر والتمايل بين أرففها , وانتقاء أطايبها وأحاسنها , قررت أن أشرككم بذلك , وأعرض عليكم حصادي القليل مقارنة ً بالمعارض السابقة , ربما لأنني ما عدت أجد مكاناً في غرفتي أو مكتبتي لاستقبال المزيد من الوفود الورقية السامية : (
حصادي من البستان العامر { المكتبة العامرية } :
* الشعر قنديل أخضر ........ نزار قباني
أجمل ما في الكتاب أنه ابتدأه بحديثٍ ذو شجن عن أسبانيا والأندلس
* روائع الظلال ........ رامي عمر باعطيه
مختارات من ظلال القرآن
* الأعمال الشعرية الكاملة لـ علي الجارم
أعجبتني منه ثمانية قصائد , قرأت فيه ولكنني لم أنهه , واستغربت لكثرة القصائد في مدح الملوك والأمراء
* الفلسفة اللغوية ........ جرجي زيدان
* اللغة العربية كائن حي ......... جرجي زيدان
لم أقرأهما بعد , ولكن أظنهما جميلين لأنهما يتحدثان عن اللغة ^_^
* فن الأدب ....... توفيق الحكيم
مجموعة من المقالات في الأدب
واقتطفت من { دار اقرأ } هذه الثمرة اليتيمة :
* هل يكذب التاريخ ؟ ....... عبد الله بن محمد الداوود
مناقشات تاريخية وعقلية للقضايا المطروحة بشأن المرأة
.
11 أبريل، 2009
تعويذات في قلبٍ صغير ( قصة قصيرة )

خلف غيمَةٍ أبدية , تربضُ المدينة بسلام , تندسُ بين رذاذِ الحلم , وتغفو على أكفُفٍ من مَطر , في ميدانِها الفسيح , قصرٌ مزهوٌّ منيف , يمُدُ أذرعته لاحتضانِ المدينة , وأعناقه لمُباهاةِ السماء , تتكومُ قببهُ فوق أسقفه كشموسٍ تنزّلت من الأفق البعيد , خاشِعةٌ حيطانُهِ في هذه الليلةِ السرمدية , تتمتم بتعويذاتِ وتمتمات دفعاً لدياجيرِ الظلامِ وأشباحه , تسكنُ البهوَ العتيق خيفةٌ مُهيبة , وتجوبُ أرجاءَهُ نسيّماتٌ باردة تتوّغلُ في صمتِهِ خلسة , نُعاسٌ يغشى الجميع , ويراوِدُ أعينَ الحَرسِ عن أجفانها .
في طابقٍ علويّ تقفُ أميرة القصر منعكسة ً في حُضنِ مرآتها , تتأملُ صفاءَ قلبها , وصباحة َ وجهها , ونضارة َ شبابها , تخطُّ على طرفِ أهدابها خطاً نسلتهُ من رداءِ الليل , تغرس في أذنها قرطاً لؤلئي , وفي جيدها رياضاً عابقة اقتطفتها من زجاجةِ العطر , تتناولُ مشطاً من خشبِ الصندل على أطرافهِ نقوشٌ زاهية , تسرّحُ به شعرها على مضض , لتتركه بعد ذاك عُرضة ً لمداعباتِ الرياح , تلك المنبعثة من الشرفةِ الشرقية , حيثُ تُشرّعُ أبوابها حينَ ينتصفُ القمر ..
باتجاهِ السرير الصغير , تمضي بخُطاً متهادية , تتبعها أطرافُ الثوبِ الأبيضِ الطويل , وخصلاتُ شعرها المتطايرة, تلقي في حِجرهِ نظرةً حانية , تحتضنُ بها تلك المخلوقةُ الورديّة الشفيفة , الملتحفة بقماش ٍ أبيض , كأنها ملاكُ متجسدٌ بلحظةٍ نورانية , ومتقمصٌ لهيئةٍ بشريةٍ طاهرة , تغمضُ عيّنيّها على الأحلامِ بشدة كي لا تفر , وتحكمُ قبضتها على الأيامِ إحكاماً كي لا تهرب , وتُصِرُّ مع مِهادها جمالها كي يكتملَ ويطغى ..
تطيلُ في ذاكَ الوجه الصغير النظر , تتأمل الخطوط الصغيرة التي تتخربشُ في صفحته , الأنف الذي لا يكادُ يبرز بين الوجنتيّن المستديرتيّن , والشفتيّن الدقيقتّين , كأنهما ثغرُ زهرّة لم تتنفس بعدُ ولم تبلغ الصباح ..
بحذرٍ ولهفة , تدسُ راحتها بينَ الألحفة والجسدِ الصغير , تحملهُ إلى صدرِها مُحاطاً بحبِ الأمِ وشغفها , تضمُ الصغيرة بزفرةٍ عميقة , وتنهيدةٍ تجرُ دمعة ..
على حافةِ الشُرفة تجلسُ مُسندةً ظهرها إلى الحائط , احتفاليةٌ صاخبة , يتزاوجُ فيها ضوءُ البدرِ مع أرجاءِ المدينة , ينعكسُ بينَ طُرقاتها وينثني في تعرجاتها , وينسكب كنهرٍ من الحُبِ في قلوبِ قاطنيها ..
تبتسم وهيَ تتبحرُ في هذه الرحابِ المتسعة , تهربُ مع النفحات القادمة من عمقِ الفضاء , تهبطُ على نجمة , وتقفزُ منها إلى أخرى ..
بهديرٍ عذب , توشوشُ في الأذنِ الصغيرة :
حبيبتي,,
كوني كالقمرِ حينَ اكتماله , توسطي الحياةََ وجَمّليها, كما يتوسطُ هو السماء, توهجي نوراً وطهرا وحُبا , وازدادي كإياهُ جمالاً وألقا , في كل يومِ ينتصفُ به الشهر , ويكتملُ القمر , سأجلِسُكِ في حِجري إلى أن تكبُرين , وسأحكي لكِ أسطورته , تلك التي وقعت قبل آلافِ العصور , حينَ كانت هناك فتاة جميلة تشبهك , تعيشُ في قريةٍ بعيدة , خلفَ مئات الأميال , ووراءَ عشراتِ الأنهار , تفصلها عنا أزمانٌ ومسافاتٌ وحكايات , قيلَ بأن قريتها نُكبت بالكُره والبغض والأحقاد , وانتشرَ الشرُ في نفوسِ الجميع , فقدّمت نفسها قـُرباناً للخيّر , في اليومِ الخامسِ عشر من الشهر , اختارت الرحيل , عرَجَت على أعتابِ السماء , غرست في ظُلمةِ الليلِ قلبَها الأبيض , وسكبت في نفس كل إنسانٍ على وجه الأرض نجمة ً بيضاء ..
فهاهيَ تطلُ علينا منذ أمدٍ بعيد , كلما انتصف الشهر , لتُحيي ذكرى الخيرِ في نفوسنا , تطمئنُ على نومنا الهانئ في كـَنفِ عنايتها , وتحيطُ بأنوارها القلوبَ العاشقة ..
صغيرتي ,,
أرادكِ الملكُ أن تكوني للعرشِ ورثيا , وأرادكِ اللهُ أن تكوني لي أنثـاً رقيقة ً جميلة وليس الذكر كالأنثى , فهباني إياكِ هبة ً أسعدُ بها العُمرَ كُله ولا أشقى , أرى فيكِ ابتسامة ً جذلى, وشقاوةً متغنجة , وجمالاً متأججا , وروحاً متطهّرة , وعقلاً للعلمِ متوثبا , وقلباً للكلِ متسعاً ومشتملا , فكوني كما أراكِ يا مغنمي من هذه الدنيا ..
أميرتي ,,
إن الحياةَ تبدأُ في أجسادنا منذُ النبضةِ الأولى , وفي أعيننا منذُ النظرةِ الأولى , وفي آذاننا منذُ الهمسةِ الأولى , أما في قلوبنا , فإنها لا تبدأ إلا بالفطرةِ الأولى , فكوني كما فُطرتي على حُبِ الله , والله جميلٌ يحبُ كلَ جميل , فكوني جميلة , وأحبي الجمالَ أياً كان وفي أي مكان , أبحثي عنه في ثنايا الأنفس وليس في قسماتِ الوجوهِ فقط , وإن لم تجديه , كوني حريصة ً على خلقهِ وإيجاده , ألقيهِ بذرةً واسقيهِ من معينك , حتماً سيربو , سينمو ويثمر ..
مليكتي ,,
بالحبِ وحده تحيا القلوب , وتسعد الأرواح , وتزدهر النفوس , فقلبٌ بلا حب , هو قلبٌ مقفرٌ لا يحيا به صاحبُـهُ بل به يموت , عمّري بالحبِ قلبَكِ , واغمري به نفسَكِ وغيرك , لا تبخلي بنبضةٍ منه , أو تستأثري بهمسةٍ من همساته , أفيضيهِ على الحياة , وأغدقي به على الناس ِ من حولك , أحبي الجمالَ لأنه جميل , وأحبي الخيرَ لأنه خَيِّر , وأحبي الناسَ لأنكِ منهم جزء ,,
إياكِ والبغضُ يا صغيرتي , فإنه داءٌ إن ابتدأ استفحل , وإن استفحل تأبّد فلا سبيلَ منهُ للخلاص , وأعلمي أن القلب الذي يُبغض لا محل فيه للحب , فهما نقيضان لا يجتمعان , ولا يتوائمان ِ في قلبٍ واحد , وأن من استبدل بالحبِ بُغضا , فهو قد أبغض نفسه قبل أن يبغضَ غيره , وآذى نقاءه وسلامة سريرته , قبل أن يؤذي خصمه
حافظي على قلبـِكِ غضـاً طرياً أبيضا , كما هوَ بيّن يديّ الآن يا ملاكي الحبيب ..
بنيتي ,,
الناسُ في هذه الحياة مختلفون , لن يشبهوكِ جميعهم , وليسوا كما تُريدينَ دوما , فالحياةُ بستان , والناسُ فيها غِراس , منهم النخلةُ الأبيّةُ الأصيلة , تُعطيكِ ولا تبخل , تسنُدكِ في الضيقِ والرخاء , ولا تطلبُ منكِ جزاءً أو شكورا , ومنهم الأعشابُ الضارّة التي تنمو حول هذه النخلة , فتنخرُ جذعها , وتضعفُ جذرها , وتجفف ماءها إلى أن يضمر ظلها ويشح ثمرها , فاحرصي على تعميرِ بستانكِ بالنخيل وهم الأصدقاء , وتطهيره ممن يتطفل حولهم من الوشاة ..
ومن الناس ِ أزهارٌ ملوّنة , لها ألوانُ جميلة , وأشكالٌ مبهجة , وروائحٌ شذيّة , لا تزهرُ إلا في الربيع , ولا تبهجكِ بعده , فجمليّ بها بستانكِ إن حضرَ موعدها , ومتعي بها ناظريك ,
وإن أزفت على الرحيل , أحسني إليها وبوحي لها بشوقكِ لعودتها , فإنما الناسُ أغلبهم كذلك , يغدون ويروحون بين حينٍ وآخر ..
ومن الناس ِ حنظلٌ مر, إن رأيته ساءكِ شكله , وإن لمسته آلمكِ شوكه , وإن تذوقته راعكِ طعمه , فحذارٌ حذار , من هذا الغرس ِ أن يدخل بستانك ..
مُبهجتي وقرّة عيني ,,
لا تبحثي عن السعادةِ في مالٍ تجمعينه, أو جوهرٍ تتقلدينه , أو ثناءٍ تسمعينه , أو جمالٍ في مُحياكِ تنظرينه , إنما السعادة ُ في رِضاً عن الحال ِ الذيٍ تكتنفينه , وقناعةٍ تجبُ عن نفسكِ الطمع , وتذبُ عنها الجشعَ والأنانية ,,
السعادة ُ لن تجديها في سريرٍ وثير , أو دثارٍ من حرير , أو في نومٍ وخـَدمٍ وكسَل , إنما هيَ بالبذلِ والجهدِ والعطاء , فللعطاءِ لذة , لا تماثلها نزوةُ الأخذ , وفيه متعة تجلو مشقته , بل تحيلها بهجة ً وسرورا , وعلى قدرِ مشقة العطاء والجهد المبذول في سبيله , تكون السعادة ..
فابتسامةٌ ترتسمُ على ثغركِ , لن تماثلها ابتسامةٌ تغمرُكِ إن كنتِ سبباً في ابتسامِ غيرك , ثقي يا حبيبتي , إن النفوس العظيمة هي وحدها التي تستشعر لذة العطاء , أما النفوس الوضيعة فهي التي ترتضي الأخذ سبيلاً أوحداً لها في هذه الحياة ..
غاليتي ,,
سَيِجي بالفضيلةِ حماكِ , ورصعيها جوهراً نفيساً على هام ِ أفعالـِك , كوني نقية ً طاهرة , عفيفة ً عن الرذائل ِ متعففة , فالفضيلة ُ طهرٌ ونورٌ ينعكسُ على جبينِ المتطهرين , والرذيلة ُ نكتة ٌ سوداء , يُنكت ُ بها على قلبِ المرء وجبينه , فلا يستطيعُ منها فكاـكاً أو لها محوا ,,
والفضيلة ُ فطرة ٌ في الإنسانِ عامة , والفتاةِ خاصة , فطبيعتها تقتضي أن تكونَ فاضلة ً طاهرة , لتزداد َ بطهرها جمالا , وبفضيلتها تألقـاً ودلالا ..
ومن تكون غير ذلك , تشمئزُ منها النفوس , وتنفر عنها القلوب , ولا تجدُ لها قبولا ً حتى في نفسها !
طفلتي ,,
لا تكبري أبداً , لا تدعي السنون توهمكِ بأن العمر قد تقدّم وزاد , أو رحلَ وانقضى , كوني دوماً طفلة , بقلبٍ غضٍ صغير, ينضحُ أملا , ويقبلُ على الحياةِ دونما إدبار, مفعمٌ بالحيويةِ والفرح , يستمدُ وجودَهُ من الجمالِ حوله , كحّلي بدهشةِ الأطفالِ عينيّكِ , واغسلي بنقاءِ فطرتهم روحَكِ العذبة , كوني على السجيّة , بسيطة ً جميلة ً غير متكلفةٍ ولا مُتنطعة , حافظي في نفسكِ على طراوتهم ونداوتهم , ودلالهم وشقاوتهم .
كوني على يقين , كوني على يقين ٍ يا طفلتي بأن الطفولة ليست مرحلة ً عمرية ً يعبرها الإنسان في بداية حياته فقط , بل هيَ التجّلي الأسمى للصورةِ الإنسانيةِ الحقة .
كل الناس سيصبحوا أطفالاً ابتداءً , ولكن القليلُ منهم , القليلُ فقط هم الذين سيحافظوا على طفولةِ قلوبهم , سيبقون طِوالَ حياتهم عصافيراً هبطت من الجنة , أوفراشاتٍ وُلدت بين الزهور , أو أقواسَ قُزح ٍ ارتسمت ابتساماتٍ على وجهِ المطر ..
حبيبتي ,,
إن الليلَ أزفَ على الرحيل , وعزَمَ على المُضيِّ في سفرهِ الدائب , فها هوَ يجمعُ أطراف ثوبه , ويكنسُ بقايا ظلامه , ويحيلُ اسوداده غبشاً مختلطاً ببياض ِ الفجر.
والفجرُ عادة ً يرفعُ الأستار , ويفضحُ الأسرار , ويمحو كلامَ الليلِ بالنهار , فقبل أن يأتينا بغتة , ويسرق منا تعاويذنا وهمهماتنا ونجوانا , سأعيدُكِ لمخدعكِ الطاهر , وسأربطُ على أذنيّكِ بقبلة ٍ حانية , لتحفظ َ ما بثثتُ بها من روحي , فلا تدعي همسة ً تتلاشى في غمرةِ الأيام , أو كلمة ً تتساقطُ مع مرِّ السنون , بل اجعلي كلماتي لكِ نبراسا , وانثريها في سمائكِ نجوماً تهديكِ الطريق ..
.
.
وضمتِ الأميرة ُ إلى صدرها طفلتـَها الصغيرة , سارت بها بخطواتٍ متباطئةٍ نحوَ سريرها الحريريُّ الصغير , قرأت في أذنيها المعوّذات, وحصّنتها بأدعيةٍ وآيات , ثم غرست على جبينها قبلة .
بحذرٍ ولطف , وضعتها حيثُ كانت , وغمرتها بنظراتٍ متلهّفة قبل أن تودعها وتلجاُ إلى مخدعها الملكيّ خلفَ الغلالاتِ والأستار .
من فضاءٍ بعيد , مترامٍ مُتسع , كان َ القمرُ حين يكتمل يُطلُ كلَ شهر ٍ في تلك الشرفة , ويحكي لصغيراته الملتفاتِ حوله من نجومِ السماء هذه الحكاية !
وما هذه الابتسامات التي نراها تتلألأ في أفواه الفقراء والمساكين والمحزونين والمتألمين , لأنهم سعداء في عيشهم , بل لأنهم سعداء في أنفسهم وما هذه الزفرات التي نسمعها تتصاعد من صدور الأغنياء والأثرياء وأصحاب العظمة والجاه , لأنهم أشقياء في عيشهم , بل لأنهم اشقياء في أنفسهم .
07 أبريل، 2009
كتابي الأول { قوانينك الخاصة }

أدعوكم لقراءته , ومشاركتي بآرائكم وتعليقاتكم في المدوّنة الخاصة للكتاب :
http://qwanink.blogspot.com/
الكتاب موجود حالياً في مكتبة العجيري في حولي
وقريباً جداً بإذن الله سيكون متوافر في جرير وغيرها من المكتبات
لأخذ نبذه عن الكتاب ^_^ أدعوكم لزيارته في مدوّنته
بإذن الله سيكون هذا الكتاب هو الخطوة الأولى في طريق النشر , وستليه إن شاء الله خطوات كثيرة : )
وفقنا الله وإياكم وسائر الخلق , لما فيه التوفيق والسداد والخير ..
07 مارس، 2009
هل يجب أن أنتمي لفئةٍ ما ؟
18 فبراير، 2009
حديث الروح
طبتم وطاب مساؤكم يا أهل اللغة الجميلة العذبة : )
نطل عليكم مجددًا من نوافذ الأدب , الأدب الإنساني الذي تتجلى فيه الإحساسات والأفكار والفلسفات الشخصية , في هذا النص الذي كتبته مؤخرًا ..
أتمنى لكم قراءة ممتعة
.
إيلاف 18-فبراير - 2009
